زفرات من دفتر الفقد.. إلى جنتي التي رحلت
في هذا الركن الهادئ من مذكراتي، أسطر كلمات ليست ككل الكلمات، هي نبضات قلبٍ لم يستوعب بعد مرارة الفقد، وحكاية ابنٍ يرى العالم بعينٍ واحدة منذ أن غابت شمس أمه. إليكِ يا جنتي، بعض ما باح به القلم في خلوة الذكرى.
1. صلاة الغائب المستمرة
القلب بعدكِ أرضٌ جدباء، شحّ فيها وصل المحبين. إن كانت الأرض إذا جفت نادى لها المصلون صلاة الاستسقاء، فأنا أصلي عليكِ صلاة الغائب في اليوم مرتين، وأقسم الذكرى بيني وبينكِ في كل سجدة.
"عفتُ كل مَن كنتِ تعوفين.. يا جنتي دمعي بعيني يسقي النهرين."
2. رسالة مع مسافر مكة
يا من حزمت أمتعتك قاصداً مكة، استودعتك دموعي.. بلل بها ثرى قبر أمي، وأخبرها أن "عمر" من بعدها أوجعته الدنيا، وأنه لا يزال يشمُّ في ترابها ريح الجنة.
- ليتني ترابك أشمه.. وأبله بدمعي وأضمه.
- كلها أيام وأرحل يمة.
3. مدرسة الشعر والفراسة
عسى أن تشرق الشمس على قبركِ ببرادٍ وطمأنينة، يالتي على يديكِ تعلمت أصول الشعر والفراسة. أشعر اليوم أن يدي "معاقة" حين أحاول وصفكِ، ليس عجزاً في الحرف، بل لأنكِ أسمى من مدارك اللغة وأكبر من حيز القصيدة.
4. نداء "عموري" والمكان الخالي
أهوجس مع الذكرى، وأتحسس وقع صوتكِ في زوايا الغرفة حين كنتِ تشمين رائحة دخولي قبل أن تسمعي صوتي، فتقولين: "دخلتك نورت الغرفة يا عموري". اليوم، تزدحم الدار بالناس، لكن زحمتهم لا تملأ عيني، ولا تشفي وجع قلبي.
5. حكمة الرحيل (الدرس الأخير)
لن أنسى حين أفصحتُ لكِ قبل رحيلكِ عن خوفي من العيش بدونك، فمسحتِ بيدكِ الحانية على وجهي وقلتِ بيقين المؤمنين: "إن الذي سيجعلك تعتاد العيش بدوني.. سيجعلك تعيش بدونه". ودعوتِ لي بقلبٍ حاضر: "عسى الله يجبر قلبك".
عن الكاتب: عمر سعد القحطاني
شاعر وأديب سعودي، صاحب قصيدة "كشف الوجيه". تتسم كتاباته بالعمق الإنساني والجزالة اللغوية، مهتم بتوثيق الإرث الأدبي والفراسة العربية من خلال خواطره وقصائده.

أكتب تعليقك اذا كان لديك أي تسائل حول الموضوع وسنجيبك فور مشاهدة تعليقك